محمد بن جرير الطبري

299

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وقال آخرون : بل سار يزدجرد من كرمان قبل ورود العرب إياها ، فاخذ على طريق الطبسين وقهستان ، حتى شارف مرو في زهاء أربعة آلاف رجل ، ليجمع من أهل خراسان جموعا ، ويكر إلى العرب ويقاتلهم ، فتلقاه قائدان متباغضان متحاسدان كانا بمرو ، يقال لأحدهما براز والآخر سنجان ، ومنحاه الطاعة ، وأقام بمرو ، وخص براز فحسده ذلك سنجان ، وجعل براز يبغى سنجان الغوائل ، ويوغل صدر يزدجرد عليه ، وسعى بسنجان حتى عزم على قتله ، وافشى ما كان عزم عليه من ذلك إلى امراه من نسائه كان براز وأطأها ، فأرسلت إلى براز بنسوة زعمت باجماع يزدجرد على قتل سنجان ، وفشا ما كان عزم عليه يزدجرد من ذلك فنذر سنجان ، وأخذ حذره ، وجمع جمعا كنحو أصحاب براز ، ومن كان مع يزدجرد من الجند ، وتوجه نحو القصر الذي كان يزدجرد نازله وبلغ ذلك براز ، فنكص عن سنجان لكثرة جموعه ، ورعب جمع سنجان يزدجرد واخافه ، فخرج من قصره متنكرا ، ومضى على وجهه راجلا لينجو بنفسه ، فمشى نحوا من فرسخين حتى وقع إلى رحا ما ، فدخل بيت الرحا ، فجلس فيه كالا لغبا ، فرآه صاحب الرحا ذا هيئة وطره وبزه كريمه ، ففرش له ، فجلس وأتاه بطعام فطعم ، ومكث عنده يوما وليله ، فسأله صاحب الرحا ان يأمر له بشيء ، فبذل له منطقه مكلله بجوهر كانت عليه ، فأبى صاحب الرحا ان يقبلها ، وقال : انما كان يرضيني من هذه المنطقة أربعة دراهم كنت أطعم بها واشرب ، فأخبره انه لا ورق معه ، فتملقه صاحب الرحا ، حتى إذا غفا قام اليه بفاس له فضرب بها هامته فقتله ، واحتز رأسه ، وأخذ ما كان عليه من ثياب ومنطقه ، والقى جيفته في النهر الذي كان تدور بمائه رحاه ، وبقر بطنه ، وادخل فيه أصولا من أصول طرفاء كانت نابته في ذلك النهر لتحبس جثته في الموضع الذي ألقاه فيه ، فلا يسفل فيعرف ويطلب قاتله وما أخذ من سلبه ، وهرب على وجهه . وبلغ قتل يزدجرد رجلا من أهل الأهواز كان مطرانا على مرو ،